ابن حزم
454
الاحكام
ما يتلى في بيوتهن ، حتى تأكله الشاة فيتلف ، مع أن هذا كذب ظاهر ، ومحال ممتنع ، لان الذي أكل الداجن لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظا له ، أو كان قد أنسيه ، فإن كان في حفظه فسواء أكل الدواجن الصحيفة أو تركها ، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنسيه فسواء أكله الداجن أو تركه قد رفع من القرآن ، فلا يحل إثباته فيه كما قال تعالى : * ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ) * . فنص تعالى على أنه لا ينسى أصلا شيئا من القرآن إلا ما أراد تعالى رفعه بإنسائه . فصح أن حديث الداجن إفك وكذب وفرية ، ولعن الله من جوز هذا أو صدق به ، بل كل ما رفعه الله تعالى من القرآن فإنما رفعه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، قاصدا إلى رفعه ، ناهيا عن تلاوته إن كان غير منسي ، أو ممحوا من الصدور كلها ، ولا سبيل إلى كون شئ من ذلك ، بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يجيز هذا مسلم ، لأنه تكذيب لقوله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * ولكان ذلك أيضا تكذيبا لقوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ولكان ما يرفع منه بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرما في الدين ونقصا منه ، وإبطالا للكمال المضمون ، ولكان ذلك مبطلا لهذه الفضيلة التي خصصنا بها ، والفضائل لا تنسخ والحمد لله رب العالمين . وأما فعل عثمان رضي الله عنه : فلم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن مجموع كما هو مرتب ، لا مزيد فيه ولا نقص ولا تبديل ، والقراءات التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باقية كلها كما كانت ، لم يسقط منها شئ ، ولا يحل حظر شئ منها قل أو كثر . قال الله تعالى : * ( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) * ولبيانه هذا وتقصي الكلام فيه مكانه من باب الاجماع من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . قال أبو محمد : وقد قال قوم في آية الرجم : إنها لم تكن قرآنا ، وفي آيات الرضعات كذلك . قال أبو محمد : ونحلا نأبى هذا ، ولا نقطع أنها كانت قرآنا متلوا في الصلوات ، ولكنا نقول : إنها كانت وحيا أوحاه الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مع